أبا حكمٍ ، والله لو كنت شـــاهداً
لأمرِ جوادي إذ تســـوخُ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محـــــمداً
رسول ببرهان ، فمن ذا يقومه؟!
كلمات خرجت من ذلك الفارس الشجاع ؛ أحد فرسان الإسلام ( سراقة بن مالك ) ، قبل أن يكون مسلماً ، والذي ظل طمعه يناديه بالظفر بمحمد عليه الصلاة والسلام ، حينما أعلن أبو جهل أن جائزة من يأتي بمحمد عليه الصلاة والسلام حياً أو ميتاً ، مائة من كرائم الإبل .
مائة من الإبل ؟!! إنها الحياة التي كان يبحث عنها ذلك الفارس ؛ ( سراقة بن مالك ) ، ولحرصه ألا تفوت عليه هذه الجائزة الكبرى تسلل من وراء الصفوف يطلب الخطى ويقرأ الآثار ؛للإلتحاق برسول الأمة ، نعم فلم يعلم سراقة بن مالك ، أنه يركض خلف ( سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً ) يركض خلف ضباب قاتم ألوانه ، لايرى من خلاله غير وعد كاذب ، وحيلة مفتريه .
ويلحق ( سراقةُ ) ركْبَ الأخوة والصداقة ؛ محمد النبي الكريم وصحبه أبا بكر الصديق ، يلتهم الخطوات تتبعها الخطوات ، حتى سقط من على فرسه مرتطماً بالأرض ، لكن غشاوة الجائزة الكبرى تحدق حول عينيه ، فلم يكترث بل هم بأن يقنع نبي الأمة بأن يعود معه حتى يظفر بتلك الجائزة ، وأي جائزة كان يبحث عنها سراقة ؟!!
حينما تأمل في أقدام فرسه ، إذ هي ثابتة في الأرض بلا حراك ، إلا أنه عندما سمع بدعاء ذلك النبي العظيم كي تُطلق أقدام فرسه تصدح في الآفاق ، عرف أنه أمام رجل جاء للأمة أجمعين ، جاء ليزيل ما في النفوس من حقد وجشع ، جاء ليزيل ما في النفوس طمع الافتراءات الكاذبة ، والركض خلف مجهول لا يعرف حقيقته ، جاء لينمي في المرء أن الدين عند الله الإسلام ، وبالفعل يهم ( سراقة ) بالعودة ويرد كيد الأعداء عن النبي وصاحبه ، إلا أن كلمات النبي الكريم تصدح في أذنيه ، متوعداً سراقة بما هو أفضل من مائة من كرام الإبل :
( وكيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟!! )
تعجب سراقة ، وهو ينظر حاله في صحراء مكة ، مختبئاً بين أوديتها ، يلفه الظلام ويسترهم الليل ، وخلفه جموع قريش تطارد هذا النبي الكريم طمعاً في تلك الجائزة التي سيلتمسونها بيديهم ثم أطلق صرخة الغرابة والاستحالة ..
( كسرى بن هرمز ؟! ) ، فطمأنه نبي الأمة بكلمات زادت من صدق سراقة لهذا النبي العظيم ، عندما رأى تلك الدعوات تخرج أقدام فرسه من الأرض ( نعم . كسرى بن هرمز ) ، فلم يكن في سراقة إلا أن أطرق برأسه نحو الأرض ، وكأنه يرى عهداً مكتوباً بأن الأرض ستشهد ما قاله نبي الأمة ، فقام وركب فرسه وهم بالعودة ، وهو يمسح كل ما قرأه الظلام ما دار بينه وبين رسول الأمة ، وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه .
ومضى الزمان يلتهم كل ذكرى من ذكريات الأمة ، مضى تاركاً سراقة وحيداً وسط المسلمين ، يتذكر معهم حياة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ، يذكرهم ذلك الزمان بالجهاد الكبير الذي اقتحم حصون المشركين ، وقلاع الكفار ، يتلوه ذلك الزمان ويضع بطولات جديدة لسراقة بين أحبابه المسلمين ، إلا أن ( سراقة ) هذه المرة وحيداً .. نعم وحيداً بدون ذلك النبي العظيم ، في عصر كان يحكمه رجل واحد ، أرسله الله نذيراً وبشيراً ، حكيماً وعادلاً ، رؤوفاً رحيماً ، ما أحلى تلك اللحظات التي وقفها ( سراقة ) مع نبي الأمة ، ما أجمل تلك اللحظات حينما رأى بعينيه بريق الأمة ،لكنه عندماسمع بنداءه يقول ( كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟!! ) ما زالت هذه الكلمات تبني فيه أمل جميلاً ، بأن محمداً موجود ، وأن حياته يستنشقها بخياله .
وما هي إلا سنين ويقتحم الجنود البواسل حصون بلاد الفرس ، وتسقط المدائن ، وسراقة ينظر إلى حال حكاه له النبي عليه الصلاة والسلام ، لكنه هذه المرة بدون نبيه الكريم ، إنه أمام جيل مسلم جديد ، ثم لحظات وتأتي الغنائم وتأتي الأموال الوفيرة ، والحدائق الغناءة ، فإذا بهتافات المسلمون الله أكبر .. الله أكبر ، وسراقة خلف الصفوف يكبر ويفرح بما حققه المسلمون من النصر ، نعم فليحققوا ما أراده نبي الرحمة ، إلا أن صوتاً يلمحه بين الجموع ، وصوتاً يستله سراقة من بين المسلمين ( أين سراقة ؟ ) .
فأظهر سراقة نفسه من بين الجموع ؛ طاعة لأوامر خليفته الجديد ، حيث تقدم سراقة إلى عمر بن الخطاب ، تقدم وهو ينظر في دهشة الرجل الأعرابي الفقير ، الذي أكله زمن الأيام التي ولت ، تقدم وهو يقرب الخطى على مهل وهو يفكر في الأيام التي ينتظر منها الأمل ، وعمر يرفع تاجاً لكسرى ويلبسه على رأس سراقة ، ويضع الأساور على يديه ، الله أكبر ..
فهمس ابن الخطاب مسمعاً الجموع الإيمانية على أذن سراقة .. حدثهم .. ماذا قال لك نبي الأمة يا سراقة .. وسراقة لم يتمالك نفسه ، إلا وجد نفسه رافعاً ذراعيه ؛ حاملاً أسورة كسرى قائلاً .. ( قال لي نبي الأمة .. وكيف بك بإسواري كسرى ! )
نعم .. هنيئاً لك يا سراقة هذا الكرم عندما يخصك نبي الأمة بأن تكون من ينال هذه الجائزة الحقيقة ، ليست تلك التي نادى بها رأس الكفر ، بل هي صدق النبوة ، وعريق المحبة .
ربما لو كان سراقة موجوداً بيننا .. يعد السنين والأيام في تاريخ إسلامنا المجيد ؛ لجلس بيننا حقبة من الزمن ، يعلمنا مبادئ من سيد المرسلين ، مبدأ الصدق في حياتنا ...
إنه النبي الكريم ، الذي لا ينطق عن الهوى ، فمهما نعق الحاسدون ،وكتبت أقلامهم عن نبينا ، فما زلنا نؤمن بأن مستقبل أمتنا المشرق موجود بين أيدينا ، حيث أضاءه لنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم .
أخي العزيز الدنيا يومين
تلك هي المدرسة النبوية التي جسدها النبي الأعظم ؛ محمد عليه الصلاة والسلام في أصحابه ، والذين بدورهم نقلوها لنا جرعات إيمانية ، نستقي منها قليلاً قليلاً من إبداعات نبينا .
فتصور يا أخي الكريم لو كان بالفعل سراقة بيننا وقلنا له أن يقص علينا تلك اللحظة التي وقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام ونبي الأمة يقول له بأسورة كسرى ، لكان بالفعل سراقة سيعبر عن مكنوناته دهراً كاملاً لا يفتأ .
فنحن بحاجة إلى هذه الدروس ، وتلك العبر ..
شاكر لك أخي تواجدك ومرورك الجميل ،